القرطبي
253
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وحمل عائشة رضي اللّه عنها على جمل أذب - ويقال : أذب لكثرة وبره - اشتراه ابن أمية الحنظلي بمائتي دينار ، قاله ابن عبد البر في « الاستيعاب » وقال ابن شبة في كتاب « الجمل » له : اشتراه بثمانين دينارا ، والأول أصح واسمه عسكر . وذكر ابن سعد قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثني إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : كان عبد اللّه بن أبي ربيعة عاملا لعثمان على صنعاء فلما بلغه خبر عثمان أقبل سريعا لينصره فلقيه صفوان بن أمية ، وصفوان على فرس وعبد اللّه بن أبي ربيعة على بغلة ، فدنا منها الفرس فحادت فطرحت ابن أبي ربيعة فكسرت فخذه ، فقدم مكة بعد الضرر ، وعائشة بمكة يومئذ تدعو إلى الخروج تطلب دم عثمان ، فأمر بسرير فوضع له سرير في المسجد ثم حمل فوضع على سريره ، فقال : أيها الناس ؛ من خرج في طلب دم عثمان فعليّ جهازه . قال : فجهز ناسا كثيرا وحملهم ولم يستطع الخروج إلى الجمل لما كان برجله . أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثني محمد بن عبد اللّه بن عبيد ، عن أبي مليكة ، عن عبد اللّه بن أبي السائب قال : رأيت عبد اللّه بن أبي ربيعة على سرير في المسجد الحرام يحضّ الناس على الخروج في طلب دم عثمان ويحمل من جاء . انتهى كلام ابن سعد في « الطبقات » ، ولا تعارض والحمد للّه ، فإنه يحتمل أن يكون خرجا جميعا في نصرة عثمان فكسرا أو اجتمعا بمكة وجعلا يجهزان من يخرج ، واللّه أعلم . وكانت عائشة رضي اللّه عنها حاجّة في السنة التي قتل فيها عثمان وكانت مهاجرة له ، فاجتمع طلحة والزبير ويعلى وقالوا لها بمكة : عسى أن تخرجي رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم ويرعوا نبيهم ، وهي تمتنع عليهم ، فاحتجوا عليها بقوله تعالى : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [ النساء : 114 ] وقالوا لها : إن المتألبين على عثمان بالبصرة كثير ، فبلغت الأقضية مقاديرها ، فاصطف الناس للقتال ورموا عليّا وأصحابه بالنبال ، فقال علي : لا ترموا بسهم ولا تضربوا بسيف ولا تطعنوا برمح ، فرمى رجل من عسكر القوم بسهم فقتل رجلا من أصحاب علي فأتي به إلى علي ، فقال : اللهم اشهد ثم رمي آخر فقتل رجلا من أصحاب علي ، فقال علي : اللهم اشهد ، ثم رمي آخر فقال علي : اللهم اشهد ، وقد كان عليّ نادى الزبير : يا أبا عبد اللّه ادن إليّ أذكّرك كلاما سمعته أنا وأنت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : عليّ الأمان . فقال عليّ : الأمان ، فبرز فأذكره أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له ، وقد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض : « أما أنك ستقاتل عليّا وأنت له ظالم » . فقال الزبير : اللهم إني ما ذكرت هذا إلا في هذه الساعة وثنى